ابن أبي الحديد
91
شرح نهج البلاغة
معرفة صفته فصف لنا الملائكة ، فإن معرفة ذات الملك أهون من معرفة ذات الأول سبحانه . وحجرات القدس : جمع حجرة ، ومرجحنين : مائلين إلى جهة ( تحت ) خضوعا لجلال البارئ سبحانه ، ارجحن الحجر ، إذا مال هاويا . متولهة عقولهم ، أي حائرة . ثم قال : إنما يدرك بالصفات ويعرف كنه ما كان ذا هيئة وأداة وجارحة ، وما ينقضي ويفنى ويتطرق إليه العدم ، وواجب الوجود سبحانه بخلاف ذلك . وتحت قوله : ( أضاء بنوره كل ظلام . . . ) إلى آخر الفصل ، معنى دقيق وسر خفى ، وهو أن كل رذيلة في الخلق البشرى مع معرفته بالأدلة البرهانية غير مؤثرة ولا قادحة في جلالة المقام الذي قد بلغ إليه ، وذلك نحو أن يكون العارف بخيلا أو جبانا ، أو حريصا أو نحو ذلك ، وكل فضيلة في الخلق البشرى مع الجهل به سبحانه ، فليست بفضيلة في الحقيقة ولا معتد بها لان نقيصة الجهل به تكسف تلك الأنوار ، وتمحق فضلها ، وذلك نحو أن يكون الجاهل به سبحانه جوادا ، أو شجاعا ، أو عفيفا ، أو نحو ذلك ، وهذا يطابق ما يقوله الأوائل ، من أن العارف المذنب يشقى بعد الموت قليلا ، ثم يعود إلى النعيم السرمدي ، وأن الجاهل ذا العبادة والاحسان يشقى بعد الموت شقاء مؤبدا ، ومذهب الخلص من مرجئة الاسلام يناقض هذه اللفظات ، ويقال : إنه مذهب أبي حنيفة رحمه الله ، ويمكن تأويلها على مذهب أصحابنا بأن يقال : كل ظلام من المعاصي الصغائر ، فإنه ينجلي بضياء معرفته وطاعته ، وكل طاعة يفعلها المكلف مع الكفر به سبحانه فإنها غير نافعة ولا موجبة ثوابا ، ويكون هذا التأويل من باب صرف اللفظ عن عمومه إلى خصوصه .